هم الأنبياء والأتقياء
جامع الحمادي بالدمام
6/10/1446هـ
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
[آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يُنْعِمُ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ: إِدْرَاكُ أَيَّامِ الطَّاعَاتِ، وَمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ، وَنُزُولِ الرَّحَمَاتِ، وَالتَّزَوُّدِ فِيهَا مِنْ الْحَسَنَاتِ؛ إِخْلَاصًا لِلَّهِ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقِدْ عِشْنا مَعَ شَهْرِ رَمَضَانَ أَجْمَلَ الْأَوْقَاتِ: أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ مُبَارَكَةٌ وَهِمَمٌ عَالِيَةٌ، وَصُدُورٌ مُنْشَرِحَةٌ، وَنُفُوسٌ مُقْبِلَةٌ عَلَى رَبِّهَا، وَهَذَا كُلُّهُ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَمِنَّةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 83]، وَقَالَ تَعَالَى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ) [فاطر: 29- 30].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: بَعْدَ كُلِّ عِبَادَةٍ يَبْقَى الْهَمُّ الْأَوْحَدُ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ نَاصِحٍ لِنَفْسِهِ ، وَهُوَ : قَبُولُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَهَذَا هُوَ عَمَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَهَدْيُ الْأَتْقِيَاءِ، قَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَابْنِهِ اسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [البقرة : ١٢٧].
وَرَسُولُنَا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يَدْعُو رَبَّهُ قَبُولَ عَمَلِهِ عِنْدَمَا ذَبَحَ أضْحِيَتَهُ وَهُوَ يَقُولُ: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِن مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» [رواه مسلم]، وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَجْتَهِدُونَ فِي الْعَمَلِ وَإِكْمَالِهِ وَإِتْمَامِهِ وَإِتْقَانِهِ، ثُمَّ يَهْتَمُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَبُولِهِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) [المؤمنون: 60]،
تَقُولُ أمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ )؛ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ»
[رواهُ التِّرمِذِيُّ، وصحّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]
قَالَ فُضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «لأَنْ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَبَّلَ مِنِّي مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؛ لأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) [المائدة: 27]».
وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوّادٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «أَدْرَكْتُهُمْ يَجْتهِدُونَ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ وَقَعَ عَليْهِمُ الْهَمُّ أيُقْبَلُ مِنْهُمْ أَمْ لاَ؟».
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «الْخَوْفُ عَلَى الْعَمَلِ أَلاَّ يُقْبَلَ أَشَدُّ منَ الْعَمَلِ».
وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِنْ عَلَامَاتِ قَبُولِ الْعَمَلِ تَتَابُعَ الْحَسَنَاتِ، وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ بَعْدَ رَمَضَانَ، فَحُضُورُكَ إلَى الْمَسَاجِدِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصّلَاةِ وَكَذَا تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ، وَالصِّيَامُ، وَالْجُودُ وَالْكَرَمُ، وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ رَمَضَانَ دَلِيِلٌ عَلَى قَبُولِ الْعَمَلِ وَكَذَلِكَ امْتِثَالُ الْمُسْلِمِ لِمَا خُلِقَ لَهُ ؛ فَاَللَّهُ خَلَقَنَا لِعِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى-: ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) [الذاريات: 56]، وَقَالَ تَعَالَى: ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ) [الأنعام: 162].
وَهَذِهِ الْعِبَادَةُ لاَ تَنْتَهِي وَلاَ تَنْقَطِعُ إِلاَّ بِمَوْتِ الْعَبْدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ( وَاعبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ ) [الحجر: 99].
وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]
وَعَنْهَا -رَضِيَ اللهُ عَنْها-: «إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالَى- عِبَادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمُوَفَّقَ مَنْ وُفِّقَ لِعَمَلٍ صَالِحٍ مَقْبُولٍ، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِصَالِحِ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمَقْبُولِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الآيَاتِ وَالْحِكْمَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لَشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى -عِبَادَ اللهِ- وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ ثِمَارِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: هُوَ نَيْلُ مَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ؛ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ» [رواه البخاري]
وَكَمَا أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْأَعْمَالِ اَلصَّالِحَةِ سَبَبٌ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ، فَهِيَ أَيْضًا سَبَبٌ فِي حُسْنِ خَاتِمَةِ الْعَبْدِ، قَالَ -صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَّلَهُ» قِيلَ: وَمَا عَسَّلَهُ ؟ قَالَ: «يَفْتَحُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]
فَاتَّقُوا اللَّهَ - عِبَادَ اَللَّهِ - وَاحْرِصُوا عَلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ، وَمُوَاصَلَةِ أَعْمَالِكُمُ الصَّالِحَةِ حَتَّى آخِرِ لَحْظَةٍ فِي حَيَاتِكُمْ، قَالَ تَعَالَى: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩]، وَالْيَقِينُ هُوَ الْمَوْتُ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا على مَنْ أَمَرَ اللهُ باِلصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ، فَقَال: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56]، وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رَوَاهُ مُسْلِم]
المفضلات