ألم بي طيفها بالأمس ، فاقتحم بناء النسيان الذي رفعته بيني وبينها وألقيت كبريائي في أساسه حتى لا يرجف ولا يتصدع وأعليته بهمومي منها وشددته بعزائمي وثقتي وجعلته بإزائها كالمعبد من الزنديق إن لا يكن لا يسخر من ذلك إلا هذا فما يلعن هذا إلا من ذلك....
ولم ينكشف الليل حتى رأيت معبدي أطلالا دارسة قد خلعتها روح السماء فلبستها روح الأرض فتحول كما يتحول الزاهد في سمته ووقاره وتعففه إلى الشحاذ في تبذله وحرصه وإلحافه، وتصدع فنونا وتبدل أشكالا وسرى طيفها في نيتي مسرى الزلزلة الراجفة في بقعتها من أرضها تشق في الأرض والصخر والجبل ما يشق المقراض قي سرقة من الحرير (يعني شقة من الحرير الرقيق والجمع سَرَق) بل اسرع وأقطع وأمضى ...ولو حدث بعد الذي فعل طيفها أن مدفعا من المدافع ألقى ظله على الأرض فانفجرت من ظله القنابل تخرب وتدمر وتأتي على ما تناله والمدفع ذاته قار ساكت لقلت عسى ولعله ، وأمر قريب ، ولعل المدفع كان امراة...
*****************
ولكن تحت أطلال نسياني وما تخرب من عزيمتي انكشف لي كنز من الخيال دخلته وملكته، ولم أر فيه الدر والجوهر والألماس والياقوت في جسم الأرض ، بل رايت فيه الحبيبة تسطع من جسمها البديع حقائق كل هذه الجواهر الكريمة حتى لكأنها والله في غرابة الحلم حسناء من در و ألماس وجوهر وأشعة تتلألأ ، وما شئت أن ارى صفاء ولا جمالا ولا حسنا ولا فتنة إلا رأيت فيها ......
طيف جاء الروح المهجورة بالحبيبة فاستنشتها كما هي نسمة طائفة على روضة من الورود ومر بروحي التي جفتها هي وجرحتها مرورا أنعم من لمس الشفة للشفة ، وغمرها بمحاسن تملؤها ذوقا وطيبا ، وتحول هو معها روح قبلة مشهاة على انتظار طويل ففيه مسها ولذتها وحلاوتها .
وفي الحلم يتجلى الحبيب لمحبه كما هو داخل في نظام عقله وكما هو مستقر في امانيه ، فيكون على ذلك كأنه من خلق النفس وتصويرها، فتفتن به أشد الفتنة وكأنها لم تر معانيه في أحد قط ولا فيه هو نفسه ، ومن هذا قلما ناجى الحبيب في رؤياه أو طارحه الهوى أو الحديث أو نوله مما يشتهي إلا انتبه المحب وكأنه لم يلم به من هذا كله شيء ، بل ذاب هذا كله في دمه حلاوة روح لها طعم ومذاق...
يا للرحمة من طيف يعذب العاشق بالرحمة ...إذ ينقل الحبيب كله إلا الحبيب نفسه ....ويحقق المحب أمانيه إلا بهذه الاماني ويختم على ظلمة الصدر بألوان من نهار يموت قبل النهار ....وفي عالم معذب من الهواجس والخيالات العاشقة المستلبة إرادتها ، ينصب عالم نعيم من الهواجس والخيالات المعشوقة مستلب الإرادة أيضا فكأنها سخرية النفس من جنون صاحبها........ ياللرحمة.
وتحت أطلال نسياني وما تخرب من عزيمتي . . . ظفرت بقصورة كأنها من مقاصير الجنة لها جو عبق نافج مليء من الإحساس الخالد والشعور الطروب ، كما مليء بالأسرار والألغاز ، ترف عليه معاني الضحكات والنظرات والابتسامات . . تمازجه تعابير الصوت والموسيقى والثياب الحريرية والروائح العطرة يسبح في ذلك كله جلال الحب وجمال المحبوب وروحي العاشقة ! !
وارتفعت حقيقتنا كلينا إلى عالم الكنايات والمجازات والاستعارات ، فكان الحب ثمة يتخذ شكله السماوي فيتسع بالإدراك في كل شيء إذ يجعل الحاسية كأنها من حواس الخلود . فلا نهاية لمسرة تتصل بها ، ولا نهاية للذة تخالطها . ومن ذلك لا نهاية لأفراح قلبي في الحلم . . .
وكانت هي كل تقاسيمها تعبيرات معنوية حتى لكأنها صورة متجسمة من أوصاف بارعة في الحب والجمال خصصت بعلمها أنا وحدي إذ لا يمكن أن يهتدي إليها إلا فيها وحدي وكنت مع طيفها كأني ملقى في حالة من حالات الوحي لا في ساعة من ساعات الكرى ...
ورايت حبا رائعا اشعرني إذ ملكته في تلك الخطرات أن الإنسان قد يملك من الجنة نفسها ملكا وهو على الأرض في دار الشقاء إذا هو احتوى بين ذراعيه من يحبه . . .
**********
وقالت نفسها لنفسي : هلمي يا حبيبتي في غفلة من هذين العقلين العدوين نهدم عليهما المنطق الذي يعذبنا بأقيسته وقضاياه وإنما نحن روحان فوق الأقيسة والقضايا .
هلمي إلى حكم الحب في رقدة الفلسفة العنيدة القائمة بصاحبينا قيام محكمة بقاضيين جاهلين معا مكابرين معا فلا يرى كلاهما إلا أن صاحبه هو الجاهل وبذلك تتضاعف البلية منهما متى حكما . . . !
هلمي من وراء هذين المتغاضبين إلى شريعة الرضافليست إحدانا من الأخرى إلا كالصدى يجيب على الكلمة بالكلمة نفسها . . . إذ ليست إحدانا إلا الأخرى . . .
*********
عاد الحب أكبر من كلمة ..ورجع الرضا أكبر من ابتسام الشفتين وصارت الأذرع حدودا بعد أن كانت على فضاء وفراغ وحيا طيفها وسلم . . .
حيا وسلم ثم صافح تاركا
يده على الكبد التي أدماها
وأتى ليعتذر الغزال ، ولجلجت
كلمات فيه ، ففي فمي أخفاها
ودنا ليغترف الهوى فتهالكت
أسراره ، فرمت به فرماها
قلب الحبيب متى تكلم لم تجد
كلما ، ولكن اذرعا وشفاها...
لمـاذا لمـــاذا؟
وكتب إليها :
قرأت كتابك وهو أسطر قليلة ، ولكنها إما ساحرة أو مسحورة ، فلقد خيل إلي أنها تنتهي ، إذ كنت فيها كأني أطارد معنى فارا مذعورا لا تمسكه الألفاظ فلا يبرح فوق السطور ، إذا بلغ آخرها وثب إلى أولها فإذا كان في أولها عاد إلى آخرها دواليك بدأ وعودا . ويتلجلج مثل ذلك في صدري فلا ينتهي حتى ينتهي عنه
تقولين يا حبيبتي : أي شيء عندك هو جديد في ؟ ولماذا لا تراني رؤيتك غيري ؟ وكيف بعدت في نظرك المسافة بين وجه امرأة ووجه امرأة أخرى ؟ وهل في وجوه النساء طريق متشعبة تذهب برجل يمينا وتلوي بغيره شمالا ، وتتوافى إلى غاية وتتفرق عن غاية ؟ ثم ما الذي جعلني عندك لغزا لا تفسير له ، وجعل النساء من دوني واضحات مفسرات كألفاظ الحياة الجارية في العادة والواقع المبذولة بمعانيها لمداولة الأخذ والعطاء ، على حين تزعم أني كالعبارة العقلية التي يضرب فيها الظن على وجوه شتى ، وأني كما تقول كلمة بسرها ؟
لا أكاد افهم يا صديقي (لاحظ أنه كان يناديها يا حبيبتي وكانت لا تكتب له إلا يا صديقي !!!!!)معنى كلمة بسرها ولا معنى قولك الذي قلت لي :إن الحب فيك انت كتعتيق الخمر يضيف إليها الوقت كل يوم أسرارا وقوى وخيالا وعملا وسطوة ورقة واراه في سواك كتعتيق الماء ....
لماذا لماذا ؟ ليس عندي جواب كلامك إنما هو عندك إذ تجاوز قدر معرفتي يا صديقي . . .
**********
وأما قبل . . . يا صديقتي فلا أزال أقول لك ما قلته : إن من النساء في مقابلة أشعة النفوس معاني . فمعنى كحائط ومعنى كمرآة . وواحدة تمسخ ظلا طامسا أراني فيها تحت الشعاع كأني ظل ممدود على التراب .والأخرى تبرق وتتلألأ وأراني فيها سويا كاملا كأني خلقت في ضوئها .
ومن النساء في مقابلة أهواء القلوب معان فمعنى كالقفر ، ومعنى كالحديقة ، وواحدة يكون وجودها حول فراغها ... والأخرى وجودها القلب فهو حولها .
لماذا لماذا ؟ لأن الإنسان غامض وتفسيره ليس فيه ولا بد من تفسيره وإلا كان كل شيء عبثا .إن الوجود كله مفسر للطفل تفسيرا صغيرا مثله في حب أمه وحنانها . .
وكذلك تبدأ الحياة من أول أنفاسها بالحب ولعل أول قبلة على وجه الطفل من أمه ساعة ينفصل منها إنما هي استقبال الحب لهذا الإنسان الجديد ومسه من شفتي أمه بالطابع الذي لو قرئ نقشه لكان هكــــذا : أنت وحدك . . .
فإذا كبر الوليد فلابد من تغير التفسير حالا بعد حال ولا يزال كذلك تغيره الأشياء والحوادث حتى يبلغ أسلوب الفلسفة العليا إذا انتهى إلى العشق وحينئذ تكون قبلة الحبيبة إنما هي استقبال الحب لهذا الإنسان المتجدد ومسه من شفتي حبيبته بالطابع الذي لو قرئ نقشه لكــــان " أنا وحــــدي"
لذا أنت يا حبيبتي الفلسفة العليا وأنت "كلمة بسرها" أما غيرك من النساء فجمالها عندي جمال الشكل لا جمال السر . . .
ومن ثم فهي مفسرة واضحة إذ لا يرى قلبي فيها ما يعسر فهمه ولا ما يبحث عن تفسيره ولا ما يفسر لي معنى من المعاني .
ومن ذلك فليس الجمال المعشوق إلا انطواء الجميل على أسرار مبهمة وبذلك فكل نظر في المرأة لا يرجع إلا بزيادة الوضوح فيها يعلو منها وما ينزل ، على حين كل ما في الحبيبة يزيد على تكرار النظر غموضا كأنه شيء جديد ويأبى جمالها ان يفسر ، إذا كان تفسير الشيء إنما هو إضافته إلى ما فرغت النفس منه . . .
إن جمالك أيتها الحبيبة ليس جمالك كما تظنين وإلا فقد شركتك الحسان فيه . لكنه بكلمة واحدة فن قلبي أنا .
والحياة التي تفيض عليك تملؤك وتملؤني معا ولذلك فكل معنى منك له معنى آخر في .