بوركتما
يقول الإمام ابن حزم في كتابه المشهور عن الحب (طوق الحمامة) مايلي:
ثم هجر يوجبه التذلل، وهو ألذ من كثير الوصال، ولذلك لا يكون إلا عن ثقة كل واحد من المتحابين بصاحبه، واستحكام البصيرة في صحة عقده فحينئذ يظهر المحبوب هجراناً ليرى صبر محبه، وذلك لئلا يصفو الدهر البتة، وليأسف المحب إن كان مفرط العشق عند ذلك لا لما حل، لكن مخافة أن يترقى الأمر إلى ما هو أجل، يكون ذلك الهجر سبباً إلى غيره، أو خوفاًً من آفة حادث ملل. ولقد عرض لي في الصبا هجر مع بعض من كنت آلف، على هذه الصفة وهو لا يلبث أن يضمحل ثم يعود. فلما كثر ذلك قلت على سبيل المزاح شعراً بديهياً ختمت كل بيت منه بقسم من أو قصيدة طرفة بن العبد المعلقة، وهي التي قرأناها مشروحة على أبي سعيد الفتى الجعفري عن أبي بكر المقرئ عن أبي جعفر النحاس، رحمهم الله، في المسجد الجامع بقرطبة، وهي:
تذكرت ودا للحبيب كأنه ** لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمد
وعهدي بعهدٍ كان لي منه ثابتٍ ** يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقفت به لا موقناً برجوعه ** ولا آيساً أبكي وأبكي إلى الغد
إلى أن أطال الناس عذلي وأكثروا ** يقولون لا تهلك أسى وتجلد
كأن فنون السخط ممن أحبه ** خلايا سفينٍ بالنواصف من دد
كأن انقلاب الهجر والوصل مركب ** يجوز به الملاح طوراً ويهتدي
فوقت رضي يتلوه وقت سخط ** كما قسم الترب المقابل باليد
ويبسم نحوي وهو غضبان معرضٌ ** مظاهر سمطي لؤلؤٍ وزبرجد